الشيخ حسين الحلي
275
أصول الفقه
الرتبة على الضدّ الآخر ] هذا كلّه في مقام الثبوت . وأمّا مقام الاثبات فإنّا إذا نظرنا إلى عبادة ، وشككنا في صحّتها مع قطع النظر عن تعلّق النهي بها ، نقول إنّها إن كان لها عموم أمر يشملها حكمنا بصحّتها ، وإن لم يكن حكمنا بفسادها استنادا إلى أصالة الفساد . ثمّ إذا ورد دليل يدلّ على النهي عن تلك العبادة حكمنا بفسادها ، لكشف ذلك النهي عن عدم ملاك الأمر فيها ، أو عن غلبة ملاك النهي فيها على ملاك الأمر ، وإلّا لم يعقل تعلّق النهي بها ، وحينئذ يكون ذلك النهي بالنسبة إلى ذلك العموم مخصّصا ، وبالنسبة إلى الأصل حاكما على حذو حكومة الدليل الاجتهادي على الأصل العملي . ومن ذلك كلّه يظهر لك الاستغناء عن الاستدلال على اقتضاء النهي الفساد في العبادة بطريق المبغوضية المانعة من إمكان التقرّب ، فإنّ هذا الاستدلال وإن كان صحيحا إلّا أنّ تلك الطريقة كافية عنه . مضافا إلى ما عرفت فيما تقدّم « 1 » من أنّ هذه الطريقة إنّما تجري بعد ثبوت كون الفعل منهيا عنه ، وما دام العموم باقيا بحاله لا يدع مجالا لاثبات كون الفعل منهيا عنه ، وحينئذ تكون هذه الطريقة متأخرة رتبة عن التخصيص ، فيكون الفساد مستندا إليه لا إليها . ولا يخفى أنّ هذه الطريقة أعني طريقة التخصيص لا تتوقّف على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، وإن كان الأمر كذلك عندنا ، إلّا أنّ الطريقة المذكورة تتمّ حتّى عند القائلين بعدم التبعية ، إذ يكفي في التعارض والتخصيص مجرّد التنافي بين الأمر والنهي ، ومع التخصيص الواقعي تكون تلك العبادة غير مأمور بها واقعا ، فلا يمكن تصحيحها . وأمّا دعوى تصحيحها بالملاك فإنّما هو على تقدير القول بالملاكات والمصالح والمفاسد ، ولا تتأتّى على قول المنكرين
--> ( 1 ) راجع الصفحة : 201 ( الجهة الثالثة ) .